أبي حيان التوحيدي

196

المقابسات

36 مقابسة [ في أن الحق الأول منبجس الأشياء ومنبعها ] سمعت النوشجاني يقول : البارئ الحق الأول والأحد منبجس الأشياء كلها ومنبعها ، عنه تفيض فيضا ، [ و ] فيه تغيض غيضا ، لا على حد اللفظ الذي يرسم في ( عن ) فصلا ، وفي ( في ) وصلا ، بل على حدّ العقل الذي يقضى بالشيء على الشئ من غير إثبات بينونة ، ولا تأسيس كينونة ، فإن الأشكال والحدود من الأقوال والأعراض منفية في ساحة الإلهية ، لكنها رسوم محركة للنفوس تحريكا ، وكلمات مقربات من الحق تقريبا ، تبلغ بالسامع إلى ما وراء ذلك كله تبليغا ، وكلما كانت هذه الرسوم أتم وأحسن ، والكلمات أبهى وأبين ، كان التحريك ألطف ، والإدراك أشرف . ولهذا ما يضرب عن بيان إلى بيان ، ويؤثر كلام على كلام ، ومثال هذا التحريك حاضر من الأشكال والخطوط والصور والنقوش ثم قال : الوحدة شائعة في جميعها ، ومحيطة بها كلها ، ومشتملة عليها بأسرها ، فصارت على هذه الأشياء بالوحدة تتشاكل وتتكامل ، وبالكثرة تتخالف وتتفاضل ، فالمعنى بالتصفح المولع بالتعرف ، قد يلوح له تارة كالمركز من المحيط ، وتارة كالمحيط من المركز ، وتارة كالدرة في النحر ، أعنى بهذه الفقر ملائما بينهما ، فافطن له . فإذا لحظ الأول فكأنه صادر مع الصوادر ، وإذا لحظ الثاني فكأنه وارد مع الموارد ، وإذا لحظ الحشو بين الطرفين فكأنه كل هذا وكل ذاك ، ومن أجل الإحاطة الشائعة والاشتمال الأول ما انقسم المطلوب عند الطالب بين المحيط والمركز انقساما مفروضا